يحيي بن حمزة العلوي اليمني
111
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
أكرمتني لما كانت مطابقة للشرط في صلاحية الاستقبال ، فإن وردت لنفى المستقبل فإنما هي على المجاز ، والحقيقة ما ذكرناه من نفى الحال ، واستغراق الكلام في أسرارها إنما يليق بالمقاصد الإعرابية وفيما ذكرناه غنية فيما نريده هاهنا . الحالة الثالثة « لا » و « لن » وهما موضوعان لنفى الأزمنة المستقبلة ، فإن استعملا في غير الأزمنة فإنما يكون على جهة المجاز والاستعارة ، فيشتركان جميعا في كونهما دالتين على النفي مطلقا ، وفي كونهما لنفى الأزمنة المستقبلة ، وهذا لا يقع فيه خلاف بين أئمة الأدب من أهل اللغة والنحاة في وضعهما حقيقة لما ذكرناه ، وإنما يفترقان من جهة أن « لن » آكد من « لا » في نفى المستقبل مطلقا ، قال الزمخشري فيما عمله في مفصله و « لن » للنفي لتأكيد ما يعطيه « لا » من نفى المستقبل ، وأراد بما قاله أن « لن » في النفي مرشدة إلى التأكيد ، وأن نفيها أبلغ من نفى « لا » ولهذا جاءت على أنها معطية لما أعطته « لا » مع زيادة بلاغة في تلك الفائدة التي أدتها « لا » ويقوى ما ذكره الشيخ من طرق ثلاثة . الطريق الأول قوله تعالى في آية : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] فنفى الإدراك عن ذاته على جهة العموم في الأزمنة المستقبلة ، فلما أراد المبالغة في النفي بأبلغ من ذلك قال جوابا لسؤال موسى حيث قال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] فأتى بالجواب على جهة المبالغة بقطع الرجاء وحسما لمادة الطمع والتشويق إلى ذلك لأحد ، ويؤيد كونه واردا على جهة المبالغة ، هو أنه عقبه بالتعليق على أمر محال حيث قال وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [ الأعراف : 143 ] الآية فتعقيبه بالمحال عقيب ما قرره من المبالغة بالنفي فيه دلالة قاطعة على ما ذكرناه من مقالة الشيخ بلا مرية . الطريق الثاني قوله تعالى في آية : قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 6 ) [ الجمعة : 6 ] ثم قال وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً [ الجمعة : 7 ] فجاء في الجواب هاهنا بلا ، وقال في آية أخرى قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) [ البقرة : 94 ] ثم قال في هذه الآية وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً [ البقرة : 95 ] فجاء في الأولى « بلا » وجاء في الثانية « بلن » لأنه لما لوحظ في الثانية معنى البلاغة من جهة أنه أكده ، بلكم ، على جهة الملك والاختصاص من بين سائر الناس ووصف الدار بكونها آخرة مبالغة في أمرها وإيضاحا لشأنها ، وقرره بقوله « عند الله » إيضاحا للأمر أيضا ثم قال « خالصة » يعنى مختصين بها